ميثاق التأسيس
يمر وطننا مصر بمرحلة دقيقة يواجه فيها تحديا غير مسبوق بتعدد وتعقد وتشابك مكوناته. وهو التحدي الذي يتجلي علي كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فعلي الصعيد الاقتصادي تتبدي أعراض الأزمة في العديد من المظاهر مثل
-التدهور المستمر في المستوي المعيشي لمعظم فئات الشعب.
-ارتفاع نسبة البطالة في حجم قوة العمل وتسارع معدلات زيادتها.
-اتساع الفجوة الغذائية بين ما ننتج وما نستهلك.
-تدهور مستوي الخدمات بصورة تنذر بالخطر خاصة في مجالي الصحة والتعليم.
-تجاوز مؤشرات التلوث البيئي لكافة المعايير المتعارف عليها عالميا وخاصة في المياه ومصادر الغذاء.
-الانخفاض المستمر في نصيب الفرد من الموارد الطبيعية خاصة الأرض والمياه نتيجة لسيادة أنماط استهلاكية جائزة.
وتتبدي أعراض الأزمة علي الصعيد الاجتماعي في العديد من الظواهر التي من أبرزها:
-سوء توزيع سكان مصر حيث يتواجد اكثر من ربعهم في مدينتي القاهرة والإسكندرية وتنحصر بقيتهم في شريط وادي النيل الضيق.
-انتشار المناطق العشوائية بكل ما تعنيه وتؤصله من سلبيات.
-تفشي القيم السوقية والنفعية بين أجيال الشباب الذي ضاع حلمه وفقد أمله في غد افضل وبهت انتماؤه للوطن وتعلق بالحلول التي تأتى من خارجه.
-انتشار الرؤى السلفية لوضع ودور المرأة في المجتمع.
-تفشي ظاهرة الإدمان بين فئات الشعب المصري وخاصة الشباب منهم.
-الهجرة الاضطرارية لعائلي الأسر وما يترتب علي هذا الوضع من تشوهات في بيئة الأسرة المصرية.
أما علي الصعيد الثقافي فتأخذ أعراض الأزمة أشكالا عديدة من أبرزها:
-الانفصام والتباعد بين ثقافة الصفوة وثقافة العامة.
-شيوع الأفكار والتيارات اللاعقلانية في المجتمع المصري والتي تفرز ظواهر اجتماعية شاذة كظاهرة الإرهاب التي تهدد أركانه.
-تشتت القدرات العلمية داخل الوطن وتبعثرها خارجه وغيبة إطار نابع من الواقع المصري تنتظم فيه جهودهم -وتوظف لخدمة الوطن بشكل فعال.
-بروز ظاهرة الاستلاب المعنوي بما تعنيه من محاولات مستمرة لفرض مرجعيات غريبة عن الشعب المصري وخارجة عن صلب تكوينه ومصالحه.
إلا أن تاريخ هذه الأمة قد علمنا انه بقدر شدة التحدي ووطأته، وبقدر الاستقلالية المادية والمعنوية التي تتمتع بها صفوته، بقدر ما تكون قوة استجابته وتمام فعلها وتأثيرها. فقد عودنا شعبنا دائما انه عندما يمتلك مقدراته واستقلاله، وعندما تكون صفوته من صلب أبنائه، فانه يبدع ويعمر ويزرع ويصنع، بتفوق في العمارة والطب، وفي الفلك والهندسة، وفي الآداب والفنون. فيفضل جهود أبنائه، صفوة وعامة، وما ابتدعوه من تكنولوجيات خاصة، تمكن هذا الشعب منذ فجر التاريخ البشري من ترويض نهر النيل، ومن تجفيف المستنقعات والبحيرات، ومن زراعة الأرض وتعمير الصحراء، ومن إنشاء اعقد شبكة ري عرفها الإنسان. وهكذا أقام هذا الشعب أول حضارة عرفها المجتمع البشري وأطولها علي مدي التاريخ.
وعلي الرغم مما تعرضت له الأمة المصرية من قهر مادي ومعنوي عبر تاريخها الطويل إلا إنها لم تفقد قدرتها علي الخلق والإبداع وعلي إنشاء المؤسسات التي تحفظ لها مكانها ومكانتها. وهكذا رأينا الشعب المصري عندما جاءته المسيحية، يؤسس كنيسته القبطية الوطنية التي أهدت للعالم أول قانون كنسي. ونظام الرهبنة. وهكذا رأيناه بنشيء الأزهر كأول جامعة إسلامية استمرت لما يزيد علي الألف عام راعية للعلوم الفقهية وعلوم اللغة العربية في تفرد لم تنازعها فيف أية مؤسسة أخرى في العالم الإسلامي. ولم تكن انطلاقة الشعب المصري في عصر محمد علي لبناء دولته المدنية الحديثة وحتى اليوم إلا إحدى العلامات علي حيوية الشعب المصري وقدرته علي مواكبة مستجدات العصر ومتغيراته. ولم تكن مصر عبر تاريخها الطويل غائبة عن التعثير والتأثر والتفاعل الإيجابي مع محيطها الإقليمي والدولي ولن تكون.
واستشعاراً بخطورة الظرف الراهن الذي تواجهه الأمة وآثاره المهلكة علي مستقبلها. وإيمانا بمسئولية مثقفي مصر ومفكريها، ودورهم التاريخي في استنهاض الامة، فلقد استقر الرأي علي تأسيس جماعة للدراسات والبحوث تهدف إلى:
"تقديم الرؤى عقلانية متكاملة تستند إلى مرجعية ذاتية مصرية حول الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمشروع النهضة المصرية ولقضايا تهيئة الوطن لتبوء المكان اللائق به وبتاريخه في حضارة الألف الثالثة".
وتعمل من اجل تكوين رأي عام قادر علي تبنيها وتطويرها وتحقيقها من خلال:
-إعداد الدراسات والبحوث ذات التوجه الوطني المصري المستقل والواعي بمتغيرات العصر ومستجداته والعمل علي نشرها بكافة الوسائل المتاحة.
-التنسيق والتعاون مع مراكز البحوث الوطنية والجهات العلمية والأكاديمية المصرية المعنية.
-تنظيم الملتقيات والحوارات والندوات والمؤتمرات.
الإسكندرية فى 10/6/1994
|